الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
100
مناهل العرفان في علوم القرآن
سواء أكانت تلك الحادثة خصومة دبّت ، كالخلاف الذي شجر بين جماعة من الأوس وجماعة من الخزرج ، بدسيسة من أعداء اللّه اليهود حتى تنادوا : السلاح السلاح ، ونزل بسببه تلك الآيات الحكيمة في سورة آل عمران من أول قوله سبحانه : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ » إلى آيات أخرى بعدها هي من أزرع ما ينفر من الانقسام والشقاق ويرغب في المحبة والوحدة والاتفاق . أم كانت تلك الحادثة خطأ فاحشا ارتكب ، كذلك السكران الذي أمّ الناس في صلاته وهو في نشوته ، ثم قرأ السورة بعد الفاتحة فقال : « قل يا أيّها الكافرون أعبد ما تعبدون » وحذف لفظ ( لا ) من « لا أَعْبُدُ » فنزلت الآية : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ » في سورة النساء . أم كانت تلك الحادثة تمنيا من التمنيات ، ورغبة من الرغبات ، كموافقات عمر رضى اللّه عنه التي أفردها بعضهم بالتأليف . ومن أمثلتها ما أخرجه البخاري وغيره عن أنس رضى اللّه عنه قال : قال عمر : ( وافقت ربى في ثلاث : قلت يا رسول اللّه لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت : « وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى » وقلت يا رسول اللّه : إنّ نساءك يدخل عليهنّ البرّ والفاجر ، فلو أمرتهنّ أن يحتجبن ، فنزلت آية الحجاب « 1 » . واجتمع على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نساؤه في الغيرة فقلت لهن : « عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ » فنزلت كذلك ) ا ه وهذه في سورة
--> ( 1 ) وهي قوله تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ . وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ، إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ . وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ، ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ » من سورة الأحزاب